الحلبي

430

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وفي يوم استمرت المقاتلة ، قيل من سائر جوانب الخندق إلى الليل ولم يصلّ صلى اللّه عليه وسلم ولا أحد من المسلمين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء . أي وصار المسلمون يقولون : ما صلينا ، فيقول صلى اللّه عليه وسلم : ولا أنا ، فلما انكشف القتال جاء صلى اللّه عليه وسلم إلى قبته وأمر بلالا فأذن وأقام الظهر فصلى ثم أقام بعد كل صلاة إقامة وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات . وعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما « فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء » . أقول : في الرواية الأولى ما يشهد لقول إمامنا الشافعي : يندب أن يؤذن للأولى من الفوائت ويقيم لما عداها إذا قضاها متوالية ، وكونه يؤذن للأولى من الفوائت هو ما ذهب إليه في القديم وهو المفتي به . وفي الرواية الثانية دليل على أنه يؤذن لكل من الفوائت إذا قضاها متوالية ، ولم يقل به إمامنا ، فإنه جاء عن ابن مسعود رضي اللّه عنه مرسلا لأنه رواه عنه ابنه أبو عبيدة ولم يسمع منه لصغر سنه . وروى إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه بإسناد صحيح ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال « حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هويّ » أي طائفة « من الليل حتى كفينا القتال ، وذلك قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب : الآية 25 ] فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلي ، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك » أي وفي لفظ « فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها ، وهو دليل لعدم ندب الأذان للفائتة ، وهو ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه في الجديد وهو مرجوح . وجمع الإمام النووي في شرح المهذب بين رواية إلى الليل ورواية حتى ذهب هويّ من الليل بأنهما قضيتان جرتا في أيام الخندق ، قال : فإنها كانت خمسة عشر يوما ، أي على ما تقدّم . وفيه أن كونهما قضيتين أمر واضح لاخفاء فيه ، لأن في الأولى وفي يوم استمرت المقاتلة إلى الليل ، وفي الثانية حتى كفينا القتال ، فمع ذلك كيف يظن أنهما قضية واحدة حتى يحتاج إلى الجمع ، وظاهر سياق هذه الروايات أنه صلى الأربع صلوات بوضوء واحد وبه صرّح البغوي في تفسير سورة المائدة ، وحينئذ يحتاج للجمع بينه وبين ما يأتي في فتح مكة . وروى الطحاوي ، واستدل به مكحول والأوزاعي على جواز تأخير الصلاة لعذر